علمتُ أن أحد الشباب والذي لا يتجاوز الرابعة عشر من عمره قام بعمل دعوي يستحق

التشجيع والتحفيز ، وعندما التقيت به وكنت أريد رفع معنوياته ، فبدأت حديثي معه بقولي:

“ الحمد لله .. لقد سمعتُ أن العمل قد أُنجز على أكمل وجه .. ”  سكت برهة بعدما تغيرت

ملامح وجهه ثم قال: ” نعم ، لقد قام به أحد الشباب ” ..

حاولت أن أصل معه لأن يقول أنه هو من قام بالعمل – وأنا أعلم يقيناً هذا الخبر – إلا أنه لم يزد

على قوله : ” قام به أحد الشباب ” ..!!

انتهى اللقاء .. ولم ينتهِ الموقف .. بل بقيت أفكر فيه أياماً ، وأفكر في نفسي وأعمالي

وأتساءل ..

لماذا أنتظر الثناء من الناس على كل عمل أعمله ؟!

لماذا أحب أن يطّلع الناس على أعمالي ؟!

لماذا أحاول أن أُظهر عملي للناس إن قدّر الله له الخفاء ؟!

لماذا ولماذا ؟!!

أسئلة كثيرة لا أجد إلا “نقص الإخلاص” لها جواباً ..

أيها الغالي ..

لا يخفى عليك حديث القوم الذين يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة ..

فيجعلها الله لهم هباءً منثوراً .. وليس ذلك إلا لأنهم قومٌ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ..

نعم ، إنها الخلوة ..

وما أدراك ما الخلوة ؟!

هل تظن أني سأتطرق للحديث عن ذنوب الخلوات ؟!

كلا! مع إقراري بأهميته ، إلا أني أردت الحديث عن طاعات الخلواتطاعات السر -

الطاعات الخفية ..

إن تلك الخلوات التي أهلكت أناساً ؛ أنجت أناساً آخرين ..

صحيح أن بتلك الخلوات خسر أقوام ؛ لكن هناك أقوام قد أفلحوا بتلك الخلوات ..

رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ..

رجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ..

رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال إني أخاف الله ..

إنهم قوم تلذذوا بالعبادة في الخلوات ، وسيتلذذون في ظل عرش الرحمن حينما تدنو

الشمس من الخلائق ، ويعرق الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ..

ما ألذها من عبادة ، وما ألذها من طاعة ، وما ألذه من عمل ، ذلك الذي لم يعلم به أحد إلا

الله ..

لذةٌ   ..   جعلت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يتضجر بالحبس ويعده فرصة ، فيقول:

(( حبسي خلوة .. ))

لذةٌ  .. تجعل أحدهم يبكي وهو مضطجع مع امرأته على وسادة واحدة ، وهي لا تعلم بذلك ..

لذةٌ .. أخرجت زين العابدين – رحمه الله – في الليل سراً ، وهو يحمل على ظهره الصدقات

للفقراء .. ولا يُعلم إلا بعد موته ، عند انقطاع الصدقات عن الفقراء .. ووجود سواد في ظهره

من أثر عمله ..

لست هنا في هذه المقولة لأسرد إخلاص السلف ولذة ما يجدونه من طاعات الخفاء ..

ولكني أدعو نفسي وإخواني إلى أن تكون لنا عبادات في الخفاء لا يعلمها إلا الله ..

ولا بد أن نكره بصدقٍ أن يطلع عليها أحد من الناس علَّها أن تنجينا يوم لا ينفع مال ولا بنون

إلا من أتى الله بقلب سليم ..

ولنستمتع بلذة تعلق القلب بالله سبحانه ..

ولأجل مقياس صحيح عن أنفسنا لا بد لنا أن نراجع أعمالنا حال خلواتنا ..

ويا سعد من كانت خلوته خير من جلوته .. وباطنه خير من ظاهره ..